الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

537

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم هُوَ اللَّهُ والمقام الثالث : مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الإله فقرن لفظ أَحَدٌ بقوله : هُوَ اللَّهُ إبطالا لمقالتهم ا ه . فاسمه تعالى العلم ابتدئ به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق استحضار صفاته كلّها عند التخاطب بين المسلمين وعند المحاجّة بينهم وبين المشركين ، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب فمسماه لا نزاع في وجوده ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تنزّه عنها . أما أَحَدٌ فاسم بمعنى ( واحد ) . وأصل همزته الواو ، فيقال : وحد كما يقال : أحد ، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة ( بخلاف قلب واو وجوه ) ومعناه منفرد ، قال النابغة : كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا * بذي الجليل على مستأنس وحد أي كأني وضعت الرجل على ثور وحش أحسّ بأنسي وهو منفرد عن قطيعه . وهو صفة مشبهة مثل حسن ، يقال : وحد مثل كرم ، ووحد مثل فرح . وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتيّ له ، فلذلك أوثر أَحَدٌ هنا على ( واحد ) لأن ( واحد ) اسم فاعل لا يفيد التمكن . ف ( واحد ) و أَحَدٌ وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني التفرد . هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ ( أحد ) ، أشهرها أنه يستعمل اسما بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ في البقرة [ 285 ] ، وقوله : وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً في الكهف [ 38 ] وكذلك إطلاقه على العدد في الحساب نحو : أحد عشر ، وأحد وعشرين ، ومؤنثه إحدى ، ومن العلماء من خلط بين ( واحد ) وبين أَحَدٌ فوقع في ارتباك . فوصف اللّه بأنه أَحَدٌ معناه : أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلم وهي الإلهية المعروفة ، فإذا قيل : اللَّهُ أَحَدٌ فالمراد أنه منفرد بالإلهية ، وإذا قيل : اللّه واحد ، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمن دونه ليس بإله . ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلهيته . فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة للّه تعليما للناس كلهم ، وإبطالا